ندوة تكريميّة مؤسسة محمود درويش 2015\09\08
الأخوات والأخوة…
حقيقةً فكّرت كيف سأتوجه إليك وقرّرت أن أناديك: شيخَنا ولكن شيخا من نوع آخر…ِ
رُغم الظرف الصعب الذي أمرّ به في هذه الأيام، إلا أني أستطيع أن أعتبر اليوم ال-8 من أيلول 2015 يوما ليس عابرا، ليس لأني أقف في حضرة ممتشق قلم فلسطينيّ أصيل وإنما لأمر آخر إضافيّ، سأبوح به في خاتمة كلمتي.
“جسدٌّ سابح في فضاء لا أرض له، وروح هائمة في الضيق كأنها جنّي يتنقل وهو محبوس في قمقم. الذراع جناح. والساق مجدافّ. والدروب متشعّبة. درب يبِعدُني عن خطر. ودرب يوصلني إلى خطر آخر. ومفاصلُ العمر ترسمها المرائب ومحطات القطارات والموانيء والمطارات. والمآوي جميعُها مؤقتة.” “حكاية حكاياتي تتلخص في حاجتي إلى مكان يخصّني، مكانٍ أشعر نحوه بالولاء، أحس بأن فيه ما يخصّني”.
هذه الكلماتُ البسيطة شكلا العميقة مضمونا “مستلّةٌ” من كتاب كاتبنا :”الحنين حكاية عودة” .
في حضرة هذه الكلمات يتقزّم كل دعاة “التطبيع”، فلا تستغربَنّ يا شيخنا أن يخرج غدا علينا من هنا أو من “الهُناكات” حيث يقيم لا يقيم أهالي المسميّة، أن فيصلَ جاءنا مطبّعا.
في معالجة تحت عنوان” التطبيع والفاعل والمفعول معه” كتبت:
أتخيّل وعلى ذمّتي، أنه وبعد النكبة في ال-48، كان هنالك من أهلنا الفلسطينيين في مخيمات اللجوء من يرفض أن يستمع إلى برنامج “سلاما وتحيّة” والذي كانت تبثّه الإذاعة الإسرائيليّة، إذ كان يجول مذيعوها في قرانا العربيّة حالين ضيوفا على المخاتير بعد أن يكون “الناطور” أعلن قبل أيام حضورَهم، ليلتم الكثيرون ممن تبقى منّا ممنيّا النفس أن تتاح له فرصةٌ أن يُرسل عبر “أثير دار الإذاعة الإسرائيلية” سلاما وتحيّة لمن شُرّد من أهله. ومن منّا نحن الكنّا صغارا من لا تزال محفورةً في قاع مخّه الجُملُ سيّدة الموقف ولازمة الرسائل: “سلامي إلى ….. مجهول محل الإقامة” و-“نشكر الإذاعة الإسرائيليّة التي أتاحت لنا هذه الفرصة”.
من نافل القول أن لهذا الكرمِ الحاتميّ عند المؤسسة الإسرائيليّة كان ما يبرّره خبثا، وأكيد لم يخطر حينها على بال المشردين من أهلنا، أن الاستماعَ إلى البرنامج هو من باب التطبيع إذ من المؤكد أن هذا المصطلحَ لم يكن في قاموس العلاقة معنا أو مع إسرائيل، ولكن من المؤكد أنهم وجدوا لمقاطعة البرنامج ألفَ سبب وسبب ولو أن الامتناعَ أفقدهم نعمة سماع بارقة حياة لأحبتهم. حتى بعد ذلك وإلى العام 1967 كانت كل علاقة معنا هي كثيرا أكثرُ من التطبيع، هي خيانة كبرى إن لم تكن أمّ الخيانات.
وأضفت:
المعضلة الأساس أن البعض السياسيّ والثقافيّ في العالم العربيّ لا يرى فقط في العلاقة مع المؤسسة الإسرائيليّة تطبيعا، وهذا يمكن أن يهضمَه عقل المرء، وإنما يرانا كجزء من هذه المؤسسة ويذهب إلى أن أيةَ علاقة معنا نحن كأقليّة فلسطينيّة هنا تطبيع، وهذا لا يمكن أن يهضمه عقل المرء. مع هذا البعض لا مجال للنقاش وهو مزايد إلى أقصى حدود المزايدة، وتستطيع وأنت مرتاحُ الضمير أن تذهب به بعيدا أكثر.
الغالبيّة العظمى من أصحاب مواقف “عدم التطبيع” في العالم العربيّ سياسيّا وثقافيّا، حسمت القضيّةَ في صالح التواصل معنا سياسيّا وثقافيّا، اللهم إلا أنها اقتصرت ذلك على منابرها هي وفي رحاب بلدانها، ليظلّ السؤال الشاغل لنا نحن: هل اعتلاؤهم منابرِنا نحن في حيفا والناصرة ويافا تُعدّ تطبيعا؟!
واضح أن القضيّة بالنسبة لهم ليست حيفا والناصرة ويافا، القضيّة هي إسرائيل المحتلّة كامل التراب الفلسطينيّ من النهر إلى البحر، ولن يلطخوا جوازاتِ سفرهم بختم شرطة الحدود الإسرائيليّة، ففي ذلك اعتراف بطبيعيّة ما هو غيرِ طبيعيّ. لو تعمقنا في هذا الكلام لوجدنا أن الاعتراف قائم نظريّا ولكن بحكم الأمر الواقع وغصبا و-“ما في اليد حيلة”، ولكن الزيارةَ هي الاعتراف بطبيعيّة غيرِ الطبيعي أو تطبيعٌ وهذا يعني الاعترافَ فعليّا.
يُمكن لنا أن نطرق هذا الطرح من جوانب شتى وأن نطرح عشرات الأسئلة صعبةَ الأجوبة: فما الفرق مثلا بين زيارة شاعر أو كاتب وبين زيارة قريب من مخيمات اللجوء في مصر أو الأردن أهلِه في ال-48 أو حتى أطلالِ بيته أو بلدته؟! أو ما الفارق بين زيارة كاتب أو شاعر وزيارة قريب من الشتات الغربيّ الحاملِ جوازَ سفر دول الشتات قريب له في ال-48 أو حتى أطلال بيته أو بلدته؟!
وهل ستبقى الصلاة في الأقصى والقيامة أمنِيةً صعبة المنال عصيّة على المؤمنين من أبناء أمتنا كُرمى لعدم التطبيع؟!
ومتى سينتهي هذا الموقف، بعد قيام الدولة الفلسطينيّة إلى جانب إسرائيل أو فقط بزوال إسرائيل؟!
المُطالب بالأجوبة على الطروحات أعلاه هو “الفاعل”، ولكن إلى أي حدّ علينا نحن “المفعول معه” أن نتماهى مع هذه الطروحات وتماما من الباب المسمّى: التطبيع؟! وهل بالضرورة أن تتطابق أجوبتُنا مع أجوبتهم واعتمادا على مسوّغاتهم لعدم التطبيع؟!
بداية أعتقد أن بابَ التطبيع ليس البابَ الذي منه علينا نحن هنا أن نلجَ الموضوع، فليس التطبيع أو عدمُه هو الذي يجب أن يحدد موقفنا من الموضوع. يمكن لمن منّا الذي مع الزيارات ويمكن لمن منّا الذي ضدّ الزيارات أن يعللوها أو يبرروها من أي باب يشاؤون ولكن بتاتا ليس من باب دحض أو دعم ادعاءات دعاة عدم التطبيع، ولو على الأقل من باب الفارق المكانيّ بين “الفاعل- صاحب الفعل” و-“المفعول معه – موضوع الفعل”.
انطلاقا من ذلك أرى أنه يجب ألا يكون ضيرٌ في أن يأتينا من يشاء وأن يستقبل منّا من يشاء من الساسة والمبدعين العرب، فالفارق ليس كبيرا بين أن تُختم جوازاتُ سفرنا على معابر الأردن ومصر والمغرب وقطر والسعوديّة، وبين أن تُختم جوازات سفرهم على المعابر الإسرائيليّة أو بلادنا إن شئت، بغض النظر عمّن يُشغلها.
فليس بدخولنا المغرب أو السعوديّة اعترافا بديموقراطيتهما وقدسيّة حقوق الإنسان فيهما، وليس بدخول أمثالنا من العرب بلادنا اعترافا بديموقراطيّة إسرائيل وحقوق الإنسان فيها، ولا حتى اعترافا باحتلالها فلسطين لا في ال-67 ولا حتى في ال-48، وإذا كانت القضيّة حول تجميل ديموقراطيّة إسرائيل مثلما ذهب البعض منّا فلنا ألف موقع نجمّلها فيه وندفع الغالي والرخيص في سبيل الوصول إليه.
نحن بحاجة لرفد متواصل لقوانا سياسيّا وأكثر ثقافيّا خصوصا وأننا محاطون بجدران عزل مرصوصةِ البنيان كنّا وما زلنا بأمس الحاجة لدكّها، فالتواصل بيننا كأبناء أمّة وكم بالحري شعبٍ سياسيّا وثقافيّا وفي الاتجاهين، هو ضرورة وحاجة لازمتان وبالذات على ضوء وضعنا الخاص، وهو رافد قوّة وتحصينٍ يجب أن تصغر في سبيله الكثيرُ من الادعاءات الأخرى على صحتها النسبيّة، وما يصحّ لنا ليس بالضرورة أن يصحّ لامتدادنا، ولذا فالموقف يجب أن يكون منطلِقا من ربوع قرانا المهجرّة وليس من الصالونات في القاهرة كانت أو في عمّان مع الحقّ الكامل لرُوّادها في الخيار والموقف.
التطبيع في سياقنا هو فعل يخصّ “الفاعل” ونتاج ظروفه، وكونُنا “المفعول معه” وإن اتفقنا مع هذا الفعل أم اختلفنا معه لا يمكن أن يكون ومسوغاتُه، وفي الحالين: الاختلاف والاتفاق، مرجعا أو مصدرا لأي موقف نتخذه من وفي الموضوع، مرجعنا ومصدرنا لبناء موقفنا هما وليدا ظروفنا ومنهما يُختزل الموقف بغض النظر إن كان مع الزيارات أو ضدّ الزيارات، وفي كل الأحوال مصطلح التطبيع ليس المسوّغَ ولا يمكن أن يكون المرجعُ والمصدر.
فأهلا بك مطبعّا !!!!
وعودة إلى قلم شيخنا ومن خماسيّته “دروب المنفى”..
“أنا ملتزم في الكتابة، وأسخر ممن يتكلم عن كتابة غيرِ ملتزمة، فأنا أقرّ وأعترف أنني ملتزم بقضيّة شعب مظلوم منذ عقود لا بل قرون، ظلما متواصلا، وأنا أحاول أن أطوعَه للمساهمة في الجهد لرفع الظلم”.
الحوراني يضع في هذا الكلام الأصبعَ على نقطة هامة في الوظيفة التاريخيّة للحركة الثقافيّة في كلّ المجتمعات البشريّة، وهي الانطلاقِ لتصدّرِ الصفوف لا بل للتقدّمِ عليها خطواتٍ. وهذا لشديد الأسف ما ليسَ حاصلا في حركتنا الثقافيّة ونرانا نلهثُ في الصفوف لا بل وراءها في الكثير من مواقعِنا.
ويضيف:
“دائما أوجه الكتابَ أن الكاتبَ الفلسطينيّ لا يحتاج لمخيّلته، والمخيّلة فقط لتملأ الفجوات، حسب متطلبات السياق الدرامي في الرواية: ولا أعتقد أن أيَّ مخيلة فلسطينيّ قادرةٌ أن تصطنع ما هو أوسعَ وأغنى وأكثر من الواقع الذي عاشه أبناءُ فلسطين”.
نحن في اتحاد الكرمل للأدباء الفلسطينيّين الذي شرّفني بهذا الموقف، ومن منطلق التماهي مع جوهر قولِك الأول وقولِك الثاني، نرى أن الالتزامَ بقضايا شعبِنا هو البوصلةُ الصالحةُ التي لا يُمكن أن تحيدَ عن كوكبِ الشمال ولا قيدّ أنملة.
نعتقد أننا لسنا بحاجة لكلّ المدارس الأدبيّة لتكوّن عندنا الخيالّ أو المخيلة المطلوبةَ لأي عمل أدبيّ، وأكرّر معك: ” لا أعتقدُ أنّ أي مخيلة فلسطينيّ قادرة أن تصطنع ما هو أوسع وأغنى وأكثر من الواقع الذي عاشه أبناءُ فلسطين”… لا بل أقول لك: اجزم!
وعودةٌ على بدء… والبوح.
من الكلام العابر، الكثير الذي يحطّ في وجدان الإنسان عميقا ودون جوازات سفر. حطّت رحالُ فيصل في بيتي باكرا هذا اليوم وتشاء الصدف أن تتصل به كريمتُه لمى، فوجدته يقول لها: “رأيت أن أبدأ أولى زياراتي في الجليل عند سعيد نفاع الذاهب للسجن قريبا…”
مثلً هكذا كلامٍ عابرٍ يجعل يومّ المرء كثيرا أكبر من يوم عابر !!!