سعيد نفاع سياسيّ يأخذه الأدب (!) د. نبيه القاسم

اللغة التي كُتبت بها القصص عادية قريبة من لغة الناس، حتى مشاهد الوصف القليلة لم تتميّز بلغتها. الحوار بمعظمه كان باللغة المحكيّة ممّا أضفى الواقعيّة على الأحداث وجعلها تنبض حرارة وتشد القارئ.

“حياة بني الإنسان رحلة شاقّة، ومسيرة صعبة. فيها الأشواك، وفيها الزّهور، وهذه الرّحلة التي تبدأ عند الفرد منذ ولادته، وتنتهي عند موته، تمرّ على مراحل عديدة، لكلّ مرحلة دورها في هذه الرّحلة الشّاقّة. ربّما اختلفت سبُل وجهة الانطلاق، ربّما اختلف المستقرّ، لكن الهدف واحد. وهدفنا نحن أبناء هذا الجيل السير منطلقين بأبناء أمّتنا ومجتمعنا نحو الحياة الأفضل.”
هذه الكلمات كتبها سعيد نفاع، طالب الصف الثاني عشر في مدرسة الرامة الثانوية في العدد الرابع (السنة الثانية) من مجلة المدرسة “الشعلة” الصادر في شهر أيّار 1971.
حدّد سعيد نفّاع لنفسه الطريقَ التي اختارها والهدفَ الذي يسعى إليه، مُدركا الصّعوبات، وكثرة المعترضين مسيرته. لكنّه حدّد الهدف وعقد العزيمة وانطلق.

قد تتغيّر أو تتناقض أو تهتزّ أو تتشوّش صورة الواحد تبَعا للزمان والمكان، إذا ما تتبعناها في حياته العاديّة وحواراته السياسية والاجتماعية والفكرية وكتاباته المتوزّعة ما بين الإبداع الأدبي والسياسة والفكر، لكننا في حالتنا مع سعيد نفّاع نجد الصورة ذاتها والإنسان ذاته لا تغيّر ولا تبدّل.

سعيد من أيام الفتوّة والتّلمذة انخرط في العمل السياسيّ وأحبّ الأدب وجرّب الكتابة الأدبية، وهذا ما نجده في كل كتاباته وإبداعاته. وبمراجعة مجموعاته الإبداعية الستّ التي أصدرها حتى الآن نجد أمامنا رجلا يعمل بالسياسة ويهتم بشؤون الناس ويتفقد أحوالهم واهتماماتهم، ويعمل على نَقل صورة أمينة عن أوضاعهم مع رغبة في دفع الآخرين لتبني قضاياهم والوقوف إلى جانبهم.

سعيد كان يرغب أنْ يكتبَ القصّة القصيرة الجميلة بكلّ ما يقيّدها من شروط شكلية وفنيّة، لكنه يجد نفسه ينحاز للناس وللموضوع، وحينما يُهيئ نفسَه ليكتب عن موضوع ما أو قضيّة ما، يكتب بصدق وأحاسيس ورغبة في أن يوصل للناس ما يريد، وإذا ما انتهى من الكتابة يجد نفسه أمام نصّ جميل، فيحتار في تصنيفه، ويتخلّص بسرعة من هذا الإشْكال، ويقدّم نصوصه للقارئ على أنّها “قصص، حَكايا ونصوص” ويترك للقارئ حريّة تحديد التّسْميّة.

تتحدّد معظم نصوص سعيد في مجموعاته الستّ التي صدرت حتى اليوم حول المواضيع الساخنة والقضايا الوطنيّة والمعيشيّة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني في الأراضي المحتلة بشكل خاص وفي لبنان وداخل حدود دولة إسرائيل، كما نجد اهتماماته القوميّة من خلال طرح قضايا عربية، والتركيز على أحداث شغلت الرأي العام ولها تأثيرها على ما جرى ويجري في العالم العربيّ مثل قصّة الشاب التونسي محمّد البوعزيزي.

 

كانت القصص الثماني الأولى لسعيد نفّاع التي ضمّتها مجموعتُه الأولى “نكبة الدّوري” متميّزة بجماليّتها وفنيّتها ولغتها وتناسقها وشخصيّاتها وشموليّتها. فالمدخل للقصص الذي اجتهد فيه أن يعيّش قارئه حالة الفَقْد والضياع والغربة والحرمان والانتظار العَبَثي بإهدائه قصصه للدوريّ المتحدّي الحدودَ والأسلاك والجند كان الخيط الموصل إلى القصة الأولى التي أهداها للأطفال النّاجين من بين الأشلاء في كفر قانا، القرية اللبنانية التي كان أهلها ضحيّة لجريمة ارتكبها جندُ الاحتلال الإسرائيلي.

بنى سعيد قصّته على شكل لوحات متقابلة: لوحات تُظهر وحشية وكذب وجرائم جند الاحتلال ونفاق العالم الحرّ! بإعلامه من إذاعات وصحف مقابل صور إنسانيّة حيّة لصغار من أبناء مخيّم “عين الحلوة” في لبنان الذين خرجوا ليتصدّوا للطائرات المهاجمة بأناشيدهم “طيّارة حراميّة تحت السيف مرميّة” فمزّقتهم القنابل ووزّعتهم أشلاء مترامية. ولوحة تظهر الطفلة اللبنانية “عودة” التي أصابتها قنابل الغزاة في أحد المستشفيات الإسرائيلية وبالمقابل ما تتناقله الصحف والإذاعات من تبجّحات كاذبة خادعة عن إنسانية جُند الاحتلال.

وكانت النهاية مثيرة وجميلة ومقنعة وذكيّة عندما تُقَدّم نادية الممرضة شظيّة أخرجوها من جسد عودة فتقرأ نجوى أم الطفلة ما كتب عليها “صنع الولايات المتحدة، تركيب مصانع الأسلحة الإسرائيليّة” لتكون الشهادة الدامغة على تعاون الدولتين وتآمرهما على شعبنا العربي أينما كان.

والقصة الثانية يروي فيها ما جرى لعادل الشاب ابن الطائفة الدرزية الذي زُجّ به في السجن مع الكثيرين غيره لرفضهم الخدمة العسكرية، وما لاقوه في السجن من ظلم، فحتى القبلة التي طبعتها أمّه على جبينه حين زارته في السجن اعتُبرت مخالفة للقانون ونُقل بسببها إلى الزنزانة الانفراديّة.

القصة الثالثة تنقل لنا صورة عن المعاناة والظلم والإهانات التي يتحمّلها العمال من الأراضي المحتلة الذين يعملون داخل إسرائيل، وكيف يظلون مُراقَبين من صاحب العمل الذي يتوجّس من كلّ حركة يقومون بها. فما يهمّه أن يستنزف قواهم بساعات عمل طويلة تدرّ عليه الربح الكبير.
القصة الرابعة تصوّر تحدّي أهل القرية لناهبي الأرض والمختار المتعاون مع السلطات، وكيف تعالى الأهل على خلافاتهم التي استغلها المختار وأعوانه، واتّفقوا على المقاومة واسترجاع أراضيهم التي سرقها المختار ليُعطيها للسلطات مقابل المال المغري.

القصة الخامسة تحكي قصة المقاومة في الأراضي المحتلة ووقوف المرأة الفلسطينيّة بكل ثقة وقوّة وإصرار إلى جانب زوجها وتحدّي المحتل والسّجان، وقدرتها على الاستمرار في العَطاء ورَفْد الوطن بالأولاد ليكونوا مُتابعي مسيرة آبائهم وإخوتهم الذين يحاول المحتل زجّهم في السجون أو ترحيلهم خارج الوطن.

القصة السادسة تصوّر المأساة التي يعاني منها الشاب ابن الطائفة الدرزية الذي فُرض عليه التجنيد في الجيش ما يمكن أن يجعله في مواجهة مع أفراد من أبناء شعبه العربي الفلسطيني أو السوريّ إلخ.

وفي القصتين السابعة والثامنة يصوّر ملاحقة السلطات للناس في لقمة عيشهم. فموظف ضريبة الدخل يفرض المبالغ الكبيرة على نايف بحجّة تشغيله حمارَيه في نقل ما يحتاجه الناس مقابل مبالغ زهيدة ليُعيل أفراد أسرته. ومصادرة السلطات للأراضي العربية وملاحقتها للسكان.
استطاع سعيد نفاع في هذه القصص الثماني أن يعطينا مَشاهدَ من المعاناة التي يعيشها الناس في كلّ من لبنان والأراضي المحتلة وداخل إسرائيل نتيجة السياسات الاحتلالية والتعسفيّة الظالمة التي تمارسها الحكومات الإسرائيليّة ضدّهم.

*لغة وجَماليّة القصص*

اللغة التي كُتبت بها القصص عادية قريبة من لغة الناس، حتى مشاهد الوصف القليلة لم تتميّز بلغتها. الحوار بمعظمه كان باللغة المحكيّة ممّا أضفى الواقعيّة على الأحداث وجعلها تنبض حرارة وتشدّ القارىء.

جمالية القصص كانت ببساطتها وسلاسة لغتها وبُعْدها عن الصّراخ في طرح مشاهد المعاناة والظلم والألم. فنجوى لم تنفجر وتشتم عندما قرأت على الشظيّة التي أُخرجَت من جسَد ابنتها “عودة” أنّها من صنع الولايات المتحدة وتركيب مصانع الأسلحة الإسرائيليّة (قصة الشظيّة العائدة) . ومثلها عادل لم يضرب السجّان ويشتمه عندما سَحبَه من حضن أمّه التي زارته في السجن مُعْتبرا قبلاتها لابنها مخالفة قانونيّة عقابُها الزنزانة الانفرادية. (قصة ثمن القبلة). وصباح ردّت على سجن وترحيل زوجها إلى لبنان بالكَشف للصحفيين الذين زاروها في المستشفى عن بطنها المصابة بسبب ركلة الجندي الذي هاجم بيتها واعتقل زوجها. (قصة صباح بعد انحسار الغطاء). والشباب صعدوا إلى سيارة الشرطة بهدوء ولم يتمنّعوا أو يعترضوا لعدم اقترافهم أيّ ذنب (قصة البيت المهجور) ومثلهم تصرّف الراوي عندما دفعه الشرطيّ بقوّة إلى داخل السيّارة. (قصّة الرشّاشات المسروقة). هذا الهدوء هو الذي أعطى للنهايات زخمها وقوّتها وتأثيرها على القارىء.

لم يكتف الكاتب بتوزيع قصته الأولى “الشظيّة العائدة” إلى لوحات تتصادم فيها المشاهد الإنسانيّة مع مشاهد القَتل والظلم والكذب، وإنما حمّل كل لوحة حرفا من حروف اسم القصة. وهذا ما فعله أيضا مع القصّة الثانية “ثمن القبلة”.

معظم القصص انسابت بشكل هادئ منذ بدايتها، ويَنْشَدُّ القارئ إلى التفاصيل والحوارات، وتأخذه قُدُرات الشخصيّات الرئيسيّة، وحتى الثانويّة، في شفافيّة إنسانيّتها وعدم السّقوط أمام عنجهيّة جند الاحتلال أو صاحب العمل المستغل المتعالي أو أمام المختار ومعاونيه من رجال السلطة وأعوانها. فنجوى أم “عودة” الطفلة الجريحة بشظيّة جند الاحتلال لم تنفعل بتعرّفها على منقذ ابنتها، ورأت فيه جنديًا من جيش العدو الذي ألقى القنابل على أهلها وأبناء شعبها في لبنان ومخيّم “عين الحلوة”، لكنها بدافع إنسانيّتها مدّت يدها وسلّمت عليه دون أن تنبس ببنت شفة. وحتى عندما قرأت على الشظيّة التي استُخرجت من جسد ابنتها بأنها من صنع الولايات المتحدة وتركيب مصانع الأسلحة الإسرائيلية اكتفت بقراءة المكتوب ولم تعلّق بكلمة أو حركة.

وكان نايف في قصة “الحمير والمختار” مثالا للإنسان البسيط، ولكنّه الذكي والسّاخر والقادر على ردّ الصاع صاعَين لمستغله ومَن يُؤذيه، ولكن بهدوء وذكاء. فعندما قُبض عليه وطولب بدفع الضريبة ولم يدفعها صودر منه الحماران اللذان اعتاش منهما، لكنه بذكائه الفطري عرف أنّه المنتصر في النهاية بتركه للحمارين في بيت المختار كما أمر مأمور الضريبة. وبالفعل كانت النتيجة أن توسّل المختار لنايف وأرسل إليه الرُّسل لدفع الضريبة وأخذ الحمارين ونايف يرفض ويُظهر أسفَه لما أصاب المختار وأهل بيته من ضرر حتى كانت النهاية بإطلاق سراح الحمارين دون أن يدفع نايف الضريبة المطلوبة، وخرج نايف من بيت المختار وهو يسوق حمارَيه ويضحك مخلّفا وراءه باحة المختار والمختار وموظفي الدولة وأكوام بُراز حماريه. (ص75)

نهايات القصص كانت القمّة، والمؤشّر الى إمكانيّات سعيد نفّاع الإبداعية. فأنْ تبدأ بالكتابة أو الكلام، كلّ واحد قادر على فعل ذلك، ولكن أن تُنهي ما بدأت به من الكتابة أو الحديث عنه، هنا تكون الصعوبة ويكون الامتحان الصعب. الكثير من أصحاب القدرة على الكلام والخطابة في المناسبات المختلفة يشدّون المستمعين إليهم، لكنهم سرعان ما يتورّطون ولا يقدرون على انهاء الكلام فيثيرون مَلل المستمعين وحتى اظهار امتعاضهم وتركهم لمقاعدهم ومغادرة المكان. وهذا صحيح أيضا بالنسبة لكاتب الرواية أو القصة القصيرة أو القصيدة. فقد يأخذنا معه بمتعة لكنه سرعان ما يسقط ويفاجئنا بالنهاية السيئة التي أنهى بها روايته أو قصّته أو قصيدته إلخ.

سعيد نفاع أخذنا معه في رحلة إبداعيّة جميلة، وتركنا نتعرّف على شخصيات قصصه ونتفاعل معهم ونرافقهم في كل خطوة يخطونها، لكنه تركنا نفاجأ بالنهايات. فبينما كنّا في قصة “الشظيّة العائدة” نتوقّع أن ترفض “نجوى” أم “عودة”، ضحيّة القَصف الإسرائيلي على مخيم “عين الحلوة” مدّ يدها لتسلّم على الجندي، وتصرخ وتشتم وتعلنها صريحة في وجه الجميع أنهم القتلة والمسبّبون في إصابة ابنتها ورقودها في المستشفى بعد قراءتها لما كُتب على الشظية التي استُخرجَت من جسد صغيرتها، نجد نجوى تكتفي بالقراءة وتصمت، وفي هذا الصمت كلذ الاتهام للمعتدي والتكذيب لكلّ تصريحاته وإعلاناته وتبجّحاته.

في قصة “ثمن القبلة” لم يغضب عادل كما توقّعنا، على تصرّف السّجّان وإبعاد أمّه عنه بعنجهيّة وقسوة، ولم يثر ويشتم ويضرب السجّان. وإنّما تصرّف بهدوء، وحتى أنّه تقبّل إدخاله للزنزانة الانفرادية بدون ضجيج، وبذلك كشف عن ظلم الحاكم وزيف الإنسانيّة التي يتغنّى بها.

وفاجأنا نايف في قصة “الحمير والمختار” بعدم خوفه من موظفي الضريبة والشرطي ولم يعترف بذنبه ولم يدفع ما طُلب منه، حتى أنّه سخر من المختار ورُسُله إليه ونجح في جعل المختار يتوسّل إليه ويرجوه تخليصه من حماريه.

وكانت نهاية قصة “عائد الميعاري ورائد المغاري يقتلان نفسيهما ويبقيان حيين” مفاجئة ومؤلمة ومُفجّرة لكلّ المشاعر الإنسانيّة، وفي الوقت ذاته وثيقة اتّهام وإدانة لكلّ مَن سَبّب ويسبّب في قتل الأخ أخاه، وجرذ الواحد لمواجهة الثاني رغما عنه.

قصص مجموعة “نكبة الدوري” الثماني بداية قويّة لسعيد نفاع في دخوله إلى عالم الإبداع، ودلالة مبشّرة على كسب الحركة الأدبية لمبدع أمامه الطريق الطويلة والشاقّة ليتبوأ كرسي الإبداع خاصّة وهو رجل السياسة الذي تأخذه الأحداث وتواجهه الصعوبات.

إلى أيّ مدى نجح سعيد نفّاع في إبداعاته الخمسة التي صدرت بعد مجموعة “نكبة الدوري”؟ سؤال نجيب عليه في حلقات قادمة.

  • سعيد نفاع. نكبة الدوري. قصص قصيرة، طبعة أولى كانون الثاني 2001 مطبعة مخول، ترشيحا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*