قصص الحائل للقاص سعيد نفاع بين الميتاقص وسيميائية العناوين بقلم الكاتب: محمد علي سعيد – طمره

في طريقة وأسلوب استيعاب وإدراك العمل الإبداعي والتفاعل معه ودرجة الانطباع الأول تتعلق بمادة العمل نفسه. فاللوحة الفنية والتمثال والمجسم وغيرها تقدم نفسها للمتلقي دفعة واحدة (نظرية جشتالط) فاللوحة مثلا تقدم أو تكشف نفسها من ألوان وخطوط ومساحات وأشكال وظلال وغير ذلك من عناصر موادها دفعة واحدة وكذلك التمثال فأنت ما أن تقع عيناك عليه وإذا بك تراه دفعة واحدة.. ترى حجمه ومواد صناعته وتعابير وجهه أو أجزائه ولونه…
أردت القول بأن الانطباع الأول وهو محطة الاستيعاب الأولى يكون على مجمل العمل الإبداعي.. والأمر ليس كذلك بالمرة في العمل الإبداعي الأدبي، الذي يقدم نفسه على مراحل وبحسب رغبة المتلقي (القارئ أو السامع)..
إنها مراوغة أو مراودة النص للقارئ أو لذة النص وعلاقة العشق بينهما.. وعليه يكون فهم النص وإدراكه على مراحل وبالتدريج من العنوان ببعديه الخطي والفني فالبداية ثم متن النص فقرة فقرة حتى الخاتمة والنهاية.. وأحيانا يسبق أو يتداخل في النص القصصي ما بات يعرف مؤخرا بالميتا نص أو النص الشارح: من غلاف وإهداء ومقدمة وتعريف وكلمات تقريض وغير ذلك من نصوص لا علاقة لها مباشرة مع نص القصة ونمو أحداثها الطبيعي.
هذا الأسلوب التدريجي في فهم النص والموازي للتتابع اللغوي يجعل القراءة حوارا بين النص والقارئ وعمق هذا الحوار تقرره جودة النص وثقافة القارئ.. وهذا الحوار يؤدي إلى بناء أو هدم أو تعزيز للتوقعات التأويلية/ السيميائية بسبب التتابع أو التدرج في فهم النص.بمعنى أنك تقرأ وتأوّل/ تتوقع الآتي، وعندما تصل الآتي في النص قراءة، يكون الهدم أو التعزيز لما توقعته وبهذا يكون البناء التأويلي.

وعليه فمن البديهي أن أبدأ بفضاء الغلاف وبعنوانه الخطي والفني.. وأحاول قراءته قراءة سيميائية / دلالية، مسترشدا بنهج رولان بارت الذي نادى بموت الكاتب المجازي ووجوب أن تكون اللغة الأدبية إنزياحية وليست في درجة الصفر لتوفر إمكانات القراءة السيميائية وذلك لأن الكتابة هي بلوغ حالة تتحرك فيها اللغة لوحدها وليست مع آخرين وبحرية وليست مع آخرين أيضا.
فالعنوان هو عتبة النص ومفتاحه وهو يصرح أو يلمح إلى الحقل الدلالي العام لمتن النص.. هو إشارة مختزلة ذات بعد دلالي ويعتبر في النقد الحداثي لبنة أولى في تشكيل الوعي لدى القارئ.
والمفارقة هي أن العنوان هو أول لقاء مادي ومباشر مع النص بالنسبة للقارئ وهو آخر لقاء كان مع الكاتب.. وعليه فالكاتب هو أول ناقد لنصه في اختياره للعنوان فالعنوان ليس اختيارا اعتباطيا أو بالمصادفة بل بوعي وببذل جهد من قبل الكاتب.. أو هكذا يجب أن يكون الأمر الجاد والجيد.

سيميائية العنونة في القصص والحقول الدلالية.. وهذا قبل قراءة القصص
1- فضاء الغلاف
البعد الخطي: الحائل والجمع حوائل وهي معطى مادي ومعنوي
للكلمة أكثر من معنى معجمي، والسياق بالإضافة إلى القرائن هو الذي يحدد المعنى المعجمي العيني.
كلمة الحائل معرفة وتشير إلى التكاثر كحقل دلالي عام ، وإلى الإخصاب والإنجاب كحقل دلالي خاص وتعني الأنثى الجاهزة أي الناضجة والمتشوقة أي المستعدة للإخصاب وللإنجاب.
البعد الفني أي اللوحة يساعدنا في تحديد هوية الأنثى، وذلك بسبب وجوب وجود علاقة قوية وطردية بين البعدين الخطي والفني..
اللون الأزرق يدل على السماء ويرمز إلى الانطلاق والحرية وغيوم بيضاء صيفية، أي لا تأثير لها، وهي تدل على بعض العوائق ولكنها ستزول لأن الحكمة تقول غيمة صيف وبتمر.
اللون الأخضر يدل على الأرض قبل أن تعطي بمعنى أنها لم تُفلح بعد وهي جاهزة ومتشوقة لتقوم بوظيفتها.
الشكل التجريدي يشبه الشجرة وكأني بها تستغيث رافعة ذراعيها نحو السماء.. تنادي الإنسان (الفلاح) ليقوم بواجبه.
وهذا الشكل التجريدي يشبه امرأة والمرأة ترمز إلى الخصوبة والإنجاب.
وما الوطن إلا الإنسان والأرض التي ينتمي إليها… وعليه فالحائل هي الوطن الجاهز أرضا وإنسانا، هو الشعب الجاهز للتضحية وللحركة المباركة والمثمرة ولكنه ينتظر قيادة تجيد فهمه وتحقق له أهدافه وتأخذ بيده نحو الأجمل والأجود… إنه كفنجان الشاي علينا أن لا نصفه بالمرارة قبل أن نحرك السكر الموجود فيه. .. لوحة الغلاف كانت ناجحة جدا في بعديها : الفني المستقل والوظيفي في خدمة عنوان المجموعة، فتحية تقدير لراسمها الفنان نفاع نفاع.

1- قصة: كيف ساهم العبد جراح في معركة خلة علّيق ؟؟
العنوان هو جملة سؤال يتطلب وصف سلوك شخص قوي (جراح) من طبقة اجتماعية دونية، غير محترمة لدى باقي الطبقات (العبد)
والسؤال يدل على بعض عناصر الجواب.. المعركة حول الأرض (خلة عليق) وكان للعبد دور مميز.. ساعد على الانتصار. المعركة بين أصحاب الأرض وطرف ثان اعتدى على الأرض. اعتدى على الوطن. اعتدى على الوجود المادي (لقمة العيش) والمعنوي ( الأرض كالعرض). ولكن من هو المعتدي؟ إذن هي معركة وجود شاركت فيها جميع الطبقات الاجتماعية من المالكين وغير المالكين كالعبد جراح.. وهذا يدل على أن الطرف المعتدي هو السلطة وليس بين سكان بلدتين أو حارتين، لأن الأمر لو كان كذلك لما سُمح للعبد بالمشاركة.
وهذا يدل على أن صراع الوجود في الوطن قومي وليس طبقي..
2- قصة: مع سيدي بخير ومع ستي بخير
العنوان يتحدث عن علاقة بين ثلاثة أطراف هي: الجد والجدة وطرف ثالث بينهما، يجيد اللعب على الحبلين فهو إمعة.. الحقل الدلالي هو العلاقات الاجتماعية كالنفاق.
3- قصة: الوصية
كلمة مفردة ومعرفة. والوصية وهي معطى معنوي وتتكون من طرفين أحدهما يملك معطيات الوصية والآخر (أو الآخرين) لا يملكون.. وبإيحاء من عنوان الغلاف بالإمكان تأويل موضوع الوصية بالأرض وما عليها من شجر.. والأحداث حتما، ستدل على أبعاد وطنية وسياسية.
4- قصة: حمارتنا والانجليز
حمارتنا حيوان يتبع لفلاح وهو معطى مادي والعلاقة مع الانجليز تدل على قصة فيها سخرية. والانجليز تشير إلى عهد الانتداب في بلادنا (الاستعمار الإنجليزي) وحكمهم في بلادنا.. فالحقل الدلالي سياسي.. والفلاح يدل على وجود دور للأرض في القصة. والسخرية شكل من أشكال المقاومة بهدف الصمود والبقاء والتعويض النفسي.

5- قصة: الخيمة والنخلة
علاقة بين طرفين
الخيمة: معطى مادي، وترمز إلى البيت يحمي أهله ولكنه غير الثابت والمتنقل لأسباب خارجة عن إرادته
النخلة: معطى مادي، وترمز إلى العطاء والثبات في الأرض والسمو نحو السماء، دلالة الكبرياء.
يفضل أهل الخيمة إقامتها بالقرب من النخلة، إن وجدت من أجل ربطها بجذع النخلة بالإضافة إلى الأوتاد.. للإستظلال والاستراحة بفيئها ولتقيهم جهنم الشمس. وكذلك لتكون أكثر صمودا أمام الظروف الصعبة. نحن مع قصة فكرية ورمزية
إن تغيير الخيمة لسلوكها وذلك بالتعاون مع جارتها النخلة القوية والشامخة الرأس أدى إلى الثبات والاستقرار.
من الممكن التأويل بأنه علينا نحن في البلاد من أجل تحقيق أهدافنا، علينا تغيير سلوكنا وذلك بالتعاون والتعاضد وعدم التنازل عن كرامتنا.. والتغيير يعني التجديد في تفكيرنا والتغيير في مفاهيمنا وترك القديم والأطلال (الخيمة والنخلة) كفى للتعويض النفسي وكفانا تمجيد ماضينا فهو مجيد، وعلينا بالتجديد لأن من لا يتجدد يتبدد ومن لا يتقدم يتقادم.

6- قصة: لقد لبى النداء
النداء معطى معنوي.. وتلبية النداء.. تعني الإستجابة لطرف يستغيث طلبا للحماية بسبب إعتداء على ممتلكاته من أرض أو عرض أو مال أو حياة. وتلبية النداء من صفات مروءة العرب.
لقد: كلمة تؤكد على تلبية النداء من قبل شخص فرد.. وتأكيد التلبية تعني وجود شخص أو أكثر لم يلبوا النداء.. وهم الخونة والمتعاونين من أبناء شعبنا.
العنوان يدل على حقل دلالي سياسي بسب وجود استغاثة واجتماعي بسبب سلوك التلبية أو عدمه.

7- قصة: المهزومون
المهزومون كلمة مفردة معرفة وتدل على معطي مادي في الخارج ومعنوي في الداخل.
من هم؟ من الطرف الذي فاز عليهم وهزمهم؟ بماذا هزمهم وأين في داخل شخصياتهم أم خارجها.
ما هي مواطن ضعفهم؟
أيهما أقسى وأكثر خطورة هزيمة الإنسان من داخله أم من خارجه.

8- قصة: الحائل
لقد سبق الحديث عنها، عندما قمت بتأويل البعد الخطي في عنوان الغلاف.

القراءة والاستنتاج
كل ما أولته سابقا كان بالاعتماد على قراءة سيميائية/ دلالية للعناوين فقط.
ولكن بعد قراءتي لمتن نصوص القصص، بإمكاني الإشارة إلى وجود علاقة إيجابية وقوية بين الحقل الدلالي/ السيميائي العام وتأويلات أخرى للعنوان وبين معطيات متن النص من أحداث وشخصيات ومضامين.
وللتوضيح، فقد تناولت القصص بالأساس القضايا السياسية والاجتماعية والأرض .. وهذا ما دلت عليه العناوين فقط… هذا التشابه يؤكد أهمية تأويل العنوان والبداية (لم أتطرق إلى بدايات القصص) في المناهج النقدية الحديثة وللدقة الحداثية وما بعدها.
بعض مميزات قصص المجموعة
فيما يلي بعض المميزات ، أوردها مختصرة جدا.
1- قضايا الأرض من مصادرة وإغلاق وصراع مع السلطة كانت المحور الأساس لغالبية القصص
2- قضايا المجتمع من عادات وقيم وسلوكيات وطبقات كانت المحور الثاني
3- طعّم الكاتب قصصه بالكثير من المفردات والتعابير والأمثال الشعبية والمفردات العبرية
4- أورد القاص الكثير من أسماء الأرض مما يؤكد بأنها قصص محلية في بيئة قروية/ ريفية، رغم أنها تنسحب على جميع أبناء شعبنا أينما تواجدوا. وبيت جن لا تختلف فيما تعانيه عن غيرها من قرانا العربية. وكلنا في الهم شرق.
5- ذكر الكاتب مباشرة أسماء طرف الصراع الآخر.. الطرف المعتدي السلطة وهم: الدوريات الخضراء وسلطة حماية الطبيعة وليكون واقعيا في توثيقه الأدبي عرى سلبيات المجتمع العربي في القرية وذلك بذكر العملاء والمتعاونين مع السلطة وعلى رأسهم المختار.
6- الأسلوب سهل وعفوي وغير معقد، مما أدى إلى وجود انسجام ما في الخطاب الأدبي.
7- اعتمد الكاتب كثيرا على تقنيات السرد الحكائي في الجمل وبناء النص.
8- المبنى العام للقصص كلاسيكي/ تقليدي ، باستثناء نص الخيمة والنخلة..
9- الاهتمام بالفكرة أو المغزى من أجل إيصال رسالته للمتلقي، وأحيانا يصرح بها مباشرة.. ويعود السبب إلى التزامه بالنهج الواقعي الاجتماعي الذي يهمه المضمون، أكثر بكثير من الأسلوب والمبنى
10- يستطرد من مكان ما في القصة ليستحضر قصة أخرى وأخرى، تداخل أكثر من قصة في قصة إطار واحدة. يستحضرها لتكون شواهد وأدلة بهدف الإقناع. وهذا تناص مع مهنة الكاتب وهي المحاماة وتعامله بالنص الحجاجي.
11- البطل شخصية جمعية وليست ذاتية فردية.. وذلك لأنها ترمز إلى الهم الجماعي، والأدب نشاط لغوي محكوم بالواقع الذي يعيشه الكاتب ضمن سياقات متعددة على حد تعبير هيرش.
12- نهايات القصص جاءت سعيدة ومتفائلة مضمونا، لتعكس بذلك موقف الكاتب الحياتي والتزامه الفكري ونهجه الأدبي.
13- نهاياتها القصص تأخرت عن خواتمها بكم كلامي لا بأس.. وفنيا أغلقت مع البدايات دائرة الأحداث.
14- لجأ القاص إلى الميتانص (مصطلح حديث جدا.. تابع لمرحلة ما بعد الحداثة) وذلك بممارسة النقد الذاتي أو النص الشارح أو الموجه للقارئ أو مخاطبة القارئ بصورة مباشرة في النص وتذييل كل قصة بتاريخ ميلادها.. ظهر هذا في الإهداء والمقدمة وما جاء على وجه الغلاف الأخير.
15- من خلال الميتانص، تعرفنا على مهنة القاص وموقفه الفكري والسياسي ومنهجه الأدبي وأنواع أبطاله وطريقته في اختيار قصصه للنشر وعم تعديله أو مراجعته لها وتأريخها واعترافه بوجود ضعف فيها.
إن هذه المعرفة تقيد إلى حد ما من سلطة القارئ.. وتعفي القارئ من مسؤولية البحث عن مواطن الإيجاب والسلب في القصص.
16- وأخيرا وليس آخرا.. إن القاص سعيد نفاع يحمل قضايا مجتمعه من آلام وآمال ومنها يستمد مواضيع قصصه وشخوصها فتأتي ملتزمة بالواقع، حيث يمتزج فيها العمل الأدبي الجمالي والتوثيق الاجتماعي التاريخي، وتأتي بهدف تحقيق آمال المجتمع ويكون الإسعاد وبالتخفيف من آلامه ويكون النفع.. ولعل هذا التوافق مع اسم القاص سعيد نفاع لم يكن إعتباطيا على حد تعبير سوسيير.. بل لكل مسمى من اسمه نصيب على حد تعبير فقه اللغة العربية.

* نص الكلمة التي ألقاها الكاتب في أمسية أدبية أقامتها مؤسسة الأسوار(مساء الخميس 24-4-08) احتفاء بالقاص وعضو الكنيست عن التجمع الوطني السيد سعيد نفاع بمناسبة صدور مجموعة الحائل القصصية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*