في كتابه “الحائل” ينقلنا الكاتب عضو الكنيست المحامي سعيد نفاع إلى أجواء القرية على ما فيها من تناقضات بين القديم والجديدأولا وبين الفكر التقدّمي الذي يقاوم السلطة والاضطهاد ومصادرة الأراضي وإلى حياة الناس العاديين حتى أن أحد أبطال قصصه مأخوذ من أحد رعاة العجّل في بيت جن أو في أية قرية عربية يعيش أهلها على فلاحة الأرض وحبّ الأرض. ونحن كجمهور قراء ما زلنا نذكر معارك أهالي بيتجن مع سلطات إسرائيل عندما حاولت مصادرة أراضي هذه القرية في عدة مواقع أشهرها أراضي الزابود.
ولما كان الكاتب ابن قرية يعيش أكثرية سكانها على فلاحة الأراضي والتمسك بها وعدم التفريط بأي شبر منها، فقد جاءت بعض قصصه تروي حكاية الأرض ومشاكل المصادرة بأسلوب أقل ما يقال فيه: إنه أسلوب رقيق فيه الكثير من خفّة الظل…… وصحة الموقف ولكن مع احترام شديد لعبقرية القاريء. نقول هذا لأننا وجدنا أن من بين ما يميز هذه القصص الأمور التالية:
- البدايات، فهذه البدايات تشير إلى أن الكاتب كثير الثقة بالنفس يبدأ بسرد تفاصيل القصة بأسلوب متباين ومغاير لما نعرفه لدى الكثيرين من الكتاب في طريقة عرض الأمور.
- يبدو أن الكاتب يغرف المعلومات من حياة الناس، يصورها وينسخها من جديد خاصة عندما تتعارض مع شخصية البطل مع وجهة نظر المؤلف في رأيه حول المواضيع والقضايا الحياتية.
- في مقدمة الكتاب (الحائل) ينكر المؤلف كم هو متواضع ولذلك لم يكتب مقدمات للكتاب بمقدار ما يحتاجه الكتاب والكاتب إلى معارف! تواضعه هذا جعل منه إنسانا يخاف من نقد النقّد ولذلك وكي يبدو الأسلوب رشيقا فقد اهتم بإدخال نصوص جديدة بعضها يميل إلى الحداثة وذلك خوفا من نقد الحداثيين. وبعضها على الطريقة الكلاسيكية التي تدفع السرد إلى الأمام دون الاهتمام بفنيّة اللغة كما سنرى.
” معركة خلة علّيق” أولى قصص هذه المجموعة الصغيرة المكوّنة من ثماني قصص تتحدث عن دور الراعي العبد جرّاح في معركة خلّة عليق , لكن المعركة التي لم تحصل لولا تدخل هذا البطل , فقد قامت سلطات الدوريات الخضراء بإقفال الطريق المؤدية إلى الأراضي الشرقية وهي أجود أراضي بيت جن. ولما قرر الأهالي فتح هذه الطريق بالقوة من اجل حرثها وزرعها فقد قصدت لهم قوات الشرطة وكان العبد جراح قد وقف في طريق سيارة الشرطة لوحده , وعندما طلب منه الشاويش أن يحيد بقطيعه عن الطريق تظاهر العبد جراح بأنه لا يفهم ما يريده الأخير. فقام الشاويش بدفعه أكثر من مرة. فما كان من هذا البطل إلا أن أعمل عصاه بضرب عنيف على الشاويش الذي ترنح وسقط في مياه البركة الآسنة, مما أثار غضب الشرطيين الآخرين الذين هبوا لمساعدة قائدهم الشاويش فاعتقلوا العبد جراح لمدة خمسة عشر يوما ً. ثم بعد خروجه من التوقيف استدعي للمحاكمة. وقد حضر حليق الذقن وذلك كما قال لأنه يخاف أن يصادروا لحيته إذا هو تركها بغير حلاقة.
فهو إلى جانب التأكيد على بطولة عبد الجراح , يهزأ في مكان آخر بالمختار ودوره المتخاذل الذي يخاف من نقمة السلطة الحكوميه واجهزة الامن منه.
- الميزة الرابعة تأتي في نهايات القصص حيث يحسن الكاتب التخلص من أي مأزق في السرد بصورة
لبقه لكنه لا يضع النهاية واضحة كما ذكرنا بل يتركها لعبقرية القارئ أن يكمل المشوار على هواه.
فالسرد عند الكاتب يأتي بلغة رشيقة وسريعة ومكثفة وبدون أي كلام زائد – حشو – لا يفيد دفع الاحداث.
- لا يهتم الكاتب بانتقاء أبطال قصصه من علية القوم , بل يأخذ راعي العجال فيجعل منه بطلا ً , سلاحه
العصا حيث يثبت فعالية العصا وهي سلاح بدائي إزاء رجال الشرطة المدججين بالسلاح ويثبت هذا الراعي العبد جراح بطولته في ضرب الشاويش واسقاطه في بركة الماء الآسنة.
- اللجوء إلى لغة الساتيرا حيث يدخل الكاتب لهجة الهزء والسخرية من الشاويش فيسقطه كما ذكرنا في بركة المياه الآسنة وينتشله رجاله من الشرطة وهو “يرشل مي” على حد تعبير الكاتب (ص-15). كما يهزأ من حلاقة ذقن العبد جراح الذي سأله أحدهم يوم المحاكمة قائلا: ” ها ليش حالق ذقنك يا جرّاح؟ هذول ياخذوا كل شي يطلع… خايف اليوم ان شافوا شعرات ذقني يصادروهن !!!(ص-16) وهنا يترك الكاتب عملية السرد فلا يخبرنا عن الاحداث التي تلت الموقف وعن قرارات المحكمة كي نعمل تفكيرنا في ماذا ستكون النتيجة.
- من هذه القصة ومن غيرها يستطيع القاريء ان يكوّن فكرة عن مناهج الكاتب السياسية وعن فكره الوطني في حب الارض وكراهية السلطة التي تعمل على مصادرة الارض العربية بشتى الوسائل والسبل، وهو إذا أبرز دور الأهالي البسطاء خاصة في مقاومة سياسة مصادرة الأراضي فلأنه يريد أن يؤكد أنه حتى بسطاء الناس من غير الملاكين يهتمون ويدافعون عن الارض التي يرتبط كيانهم بوجودها وملكيتها في الايدي العربية، فالأرض هي الوطن والوطنية التي هي جزء من المشاعر القومية هي ما تتمسك به وما يتمسك به المؤلف الاستاذ سعيد نفاع. نحن العرب نحب البطولات الفردية والجماعية فكم بالحري اذا كانت هذه البطولات في سبيل الدفاع عن الارض الوطن، التي هي “الحائل” اسم الكتاب والجاهزة للإخصاب والإنجاب كما يذكر القصصي محمد علي طه في تقديمه للكتاب على الغلاف الأخير.
الساتيرا:
تغلب لهجة الساتيرا أو ألنقد الهازئ ألساخر على معظم قصص هذه المجموعة المؤلفة من ثماني قصص. فالكاتب يسخر من العادات والتقاليد البالية التي يؤمن بها انساننا العربي ولكن بشكل لاذع غير مبتذل. ففي قصته “مع سيدي بخير ومع ستي بخير” ينتقد الكاتب ألشرع “الممسوك من ذيله” لا يسمح لمطلقين أن يجتمعا تحت سقف واحد وحتى الكلام ممنوع مدى الحياة بينهما.(ص-19)
في هذه القصة يروي ألأحداث على لسان المتكلم. والمتكلم هنا هو شاب يعيش مع أخوته وأهله يلعب دوراً وهو “الوجهنة” بين جده وجدته, يساير هذا في حضوره وينتقد الغائب وعندما يتبدل الموقف يساير أو يتوجهن للحاضر الجديد وينتقد الغائب الجديد. فيضع الحكمة على لسان هذا البطل في محاولة منه لنقض قيمة كان يؤمن بها, قيمة غير مقبولة على الآخرين, ويبدو أنه لم يكن ليؤمن بها لولا ضرورات الزمان والمكان! وينهي الكاتب القصة بحكمة يضعها على لسان الشاب البطل بقوله: (ص-21)
” من أراد أن يكون مع سيده بخير ومع سته بخير, فلن يكون لا مع هذا ولا مع تلك… ولا مع ابنه!!!”. وهكذا يكون الكاتب قد ترك أحسن انطباع لدى ألقارئ في نهاية القصة وبهذا تبدو عظمة الكتابة لأن ألهدف من الكتابة اجمالاً ومن كتابة القصة بشكل خاص هو نقل افكار جديدة يؤمن بها ألكاتب فيما يسمى باسم فلسفة الحياة لهذا الكاتب او ذاك.
وهنا حقق الكاتب هدفه من وراء الكتابة وفي هذا تحديث لانه خروج عن المألوف في طريقة السرد أولاً وطريقة ألتخلص من افكار قد تكون صعبة التبني ثانياً.
ينتقل في قصة أخرى هي “ألوصية” ليعرض لنا فصلاً في تاريخ شعبنا العربي الفلسطيني الذي أصابته نكبة فقدان الوطن في عام 1948. حيث ينتقد فكرة توزيع الميراث على ألأبناء وحرمان البنات من ان تكون لهن حصة في هذا الميراث. وبما أن النكبة التي حلت بشعبنا وشرد في المرة الاولى عام 1948 وضاعت كل الاوراق الثبوتية من وصايا الى غيرها من الشهادات التي يحتاجها الانسان في حياته وشرد قسم من هذا الشعب في الهجيج الثاني بعد حرب الايام الستة عام 1967.
وبأسلوبه الساخر يكني عن الاحتلال بكنية العاصفة. والعاصفة هنا هي القيم على أملاك ألغائبين الذي اعتبر وريثاً شرعيا ً لكل غائب أومهجر أو متوف من أبناء شعبنا. ولذلك ينهي الكاتب القصة بشكل ساتيري فالموصي الذي لم يتأكد من تغيير الوصية لأنه أسلم الروح حال انتهاءه من قراءة الوصية, وقعقعت خلف الشبابيك العاصفة (ص-26). هكذا يعمل القيم على أملاك ألغائبين فيستولي على الارض بحجة قانونية أو بحجة غير قانونية: المهم مصادرة الارض. وبيت جن نكبت في أكثر من موقع من أراضيها كأرض الزابود, أراضي الجرمق وأرض الخيط وغيرها.
يصل الكاتب ذروة السخرية في تعليق صاحب الحمارة الذي لكمه الجندي بكعب بندقية لانه لم يشفق على هذا الحيوان, فالرفق بالحيوان هو مودة يلجئ اليها المغتصب المحتال ليظهر انسانيته وشفقته على الحيوانات, بينما لا يشفق على الانسان بنفس المقدار ويزيد من أهانة الانسان بقوله :”واخد خمار ابن خمار!”(ص-32). الا أن هذا الخمار ابن الخمار يشير بسخرية الى دور الجندي المتحضر بقوله:”لقيت لحمارتنا قرايب!”(ص-33) ولما اثارت دهشة المستمعين أخذ “فندي” بطل القصة يعرف الجماعة على أقارب حمارته!”
هذا ما نسميه الساتيرا التي يلجأ اليها الكاتب في اكثر من قصة بلغة الدعابة المضحكة مستذكراً بذلك المثل القائل: “وشر البلية ما يضحك!”.
الرمزية:
يعرف القراء المطلعون ان بعض الكتاب يكتبون قصصهم بلغة الرمز كما ورد في كتاب كليلة ودمنة. الذي ترجمه ابن المقفع عن الهندية أو الفارسية حيث وردت القصص على السنة الحيوانات خوفاً من غضب السلطان الحاكم. وهنا في قصة ” الخيمة والنخل” يتبع الكاتب نفس الاسلوب,حيث يتلاعب بالكلمات بشكل مبدع فيه الكثير من الفن فيترك العقدة في هذه القصة أوفي قصص اخرى من دون نهاية وذلك في محاولة منه لأثارة القارئ وتقوية حب الاستطلاع لديه.
الطوشات:
يعرف القارئ ان قرانا العربية تعيش اجواء التوتر بين الافراد والجماعات في فترة الانتخابات. فهذا يتحزب لهذا الحزب وذاك يتحزب لتلك الكتلة وآخر يسير مع الحمولة او العائلة حتى ولو كانت على ضلال وتحصل الخلافات التي قد تصل في بعض المواقف الى اعتداءات متبادلة بين اتباع هذا المرشح أو ذاك. ولا ينسى ان يهاجم المخاتير ومواقفهم الرجعية ودعمهم للاحزاب السلطوية بحق وبغير حق, فالمهم هو ان يضمن المختار مثلاً استمرارية بقائه في منصب المخترة, وهكذا يلعب المختار دور الخيانة -خيانة اماني شعبه , خدماته التي يجب ان تكون نظيفة لا غبار عليها. وطالما يسافر المختار في سيارة الحاكم العسكري اذن فهو خائن. وعندما تحتد المعركة ويسقط خلال “الطوشة” ثلاثة ابرياء من سكان القرية لا يفطن احد خلال مسيرة الاهالي في الجنازة الى ان عباءة صفراء مقلمة وكوفية حريرية نظيفة لم تغبر خلال هذين اليومين… فصلت خصيصاً لكرسي البلدية المرتقب… فالمختار كان في سيارة الحاكم طالعين من البلد.(ص-46)
هذه النهاية تترك القارئ صامتاً يفكر في العلاقة القائمة بين الجنازة- جنازة القتلى الثلاثة وكرسي السلطة!
أخيراً نعتقد ان الكاتب عضو الكنيست سعيد نفاع هو كاتب ناجح كقصصي ولو انه مقل في كل ما يكتب.
فله منا الف تحية مع اطيب تمنياتنا له بدوام الصحة والعافية والاستمرار في الكتابة ليتحفنا دائماً مما يجود به قلمه في باب القصة. فهو انسان مطالع ذو لغة جميلة ومفارقات تميز ما يكتب. فقدماً والى الامام….
ايها الاخ الطيب دع قلمك يبدع كثيراً في المستقبل.
ملاحظة اخيرة: وردت في هذه المجموعة “الحائل” بعض الاخطاء المطبعية واللغوية والتي كان من الممكن التخلص منها لو روجعت على يد احد خبراء اللغة.
تحية لك يا استاذ سعيد نفاع. لك الحياة!
23\10\2007 د.بطرس دلة
كفر ياسيف